آدم واحد أم اثنان   

وائل التغلبي

 

يبدو هذا العنوان غريبا لأول وهلة، نظرا إلى أن القرآن يتحدث عن آدم واحد. أما  الكتاب المقدس فيتحدث عن آدمين، الأول من التراب والثاني من السماء. فأي الرأيين هو الصحيح؟ هذا المقال يستعرض ما يقوله القرآن وما يقوله الكتاب المقدس بهذا الخصوص، بغية التوصل إلى جواب شافٍ.

 

آدم في القرآن

تذكر آيات القرآن عددا من صفات آدم. فتصف كيف خلق، ومن أي مادة خلق، وغرض الله من خلق آدم. يروي القرآن أن الله خلق آدم من طين: " إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ.  فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (38: 71-72). فامتثلت الملائكة لأمر الله ما عدا إبليس: "فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ." (38: 73-74؛ انظر 2: 6). وتفيد آيات أخرى أن الله خلق آدم من تراب (3: 59)، أو من صلصال من حمأ مسنون (15: 26).

أما كيفية خلق آدم فتبينها ثلاث آيات: بحسب الآية الأولى، خلقه الله بيديه، "قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ" (38: 75). وبحسب الآية الثانية، خلقه بكلمته: "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ." (3: 59) أما الآية الثالثة فتقول، أن الله خلقه بنفخة من روحه، "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ" ( 38: 72)

 تشير الآيات (38: 71-74) إلى أمرين حدثا بعدما خلق الله آدم، أولهما طاعة الملائكة لأمر الله، وثانيهما عصيان إبليس.

أولا، طاعة الملائكة. قبلما خلق الله آدم دعا الملائكة وأخبرهم عن عزمه على خلقه و أمرهم أن يقعوا له ساجدين. (38: 72) فامتثل الملائكة لأمر الله، "فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ." (38: 73) وتشير آيات أخرى إلى نفس الواقعة:(2: 34؛ 7: 11؛ 15: 28-29؛ 17: 61؛ 18: 50؛ 20: 116). وطاعة الملائكة جديرة بالثناء. وهنا يتساءل المرء، أليس السجود جزءا من العبادة التي ينبغي أن تقدم لله وحده الذي يملك وحده صفتي الكمال والجلال؟

ثانيا، عصيان الشيطان (إبليس). بخلاف الملائكة، أبى إبليس أن يسجد لآدم، "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ"(2: 34) وتشير آيات أخرى إلى هذا الرفض، "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ." (18: 50) ونظرا إلى أن إبليس كان من الجن، فهل كان ينبغي عليه أن يطيع أمر الله للملائكة؟  

على أي حال لقد رفض إبليس أمر الله، فسأله الله عن سبب عدم إطاعته: "قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ؟ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ" (7: 12) فسأله الله ثانية، "قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِين؟ (38: 75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ" (38: 76)

إبليس يجادل الله. لقد مضى الشيطان إلى أبعد من ذلك في مجادلته مع الله، " وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا؟ قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا" (17: 62)

وهكذا قدم إبليس سببين لرفضه السجود لآدم. أولهما، أصله المتفوق، أي أنه خلق من نار (7: 12)، بينما خلق آدم من طين. وثانيهما، ادعاؤه بأنه سوف يستولي على ذرية آدم ويضلهم، فيما لو قدر الله له أن يحيا إلى يوم القيامة (62: 17). وهذا الإدعاء يعني أنه أقوى من آدم. ومن الواضح أن سؤاله الساخر بشأن إكرام آدم يفترض ضمنا أنه اعتبر نفسه جديرا بسجود الملائكة له أكثر من جدارة آدم بذلك. ووضع الله حدا لهذا الجدل فطرد إبليس من الجنة، "قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ" (7: 13)

المقصود بالسجود: ننتقل الآن إلى بحث مسألة سجود الملائكة لآدم. قد يبدو هذا غريبا لكثير من القرّاء. فكيف يأمر الله الملائكة بالسجود للمخلوق، في حين أن السجود جزء من العبادة الواجبة للخالق؟ هناك آيات قرآنية تبين بوضوح أن الله ينهى عن عبادة المخلوق أيا كان: "لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (41: 37). لاحظ هنا أن السجود متصل بحكم طبيعته بالعبادة. فالسؤال الأساسي الآن هو هل أمر الله الملائكة فعلا أن يسجدوا لآدم؟

ليس هدف هذا المقال الدخول في تفاصيل الفقه الإسلامي لمعرفة مفهوم السجود. وإنما هدف المقال هو أن نستعرض بإيجاز وجهة النظر الإسلامية في تفسير معنى سجود الملائكة لآدم، بغية تفنيد حججهم بهذا الخصوص، وأن ننتقل بعد ذلك إلى تبيين حقيقة المسألة. وحقيقة المسألة هي أن الله قد أمر الملائكة بالسجود لذاك الذي يستحق السجود.  

المفسرون المسلمون: يقول معظم المفسرين أن السجود المقدم لآدم لا يخص العبادة لكنه مجرد تعبير عن الاحترام والتعظيم.

ويستشهد بعضهم بأن السجود ليوسف الذي ذكره القرآن يشبه السجود لآدم، ويصح القول في تفسيرهما كليهما بأن ذلك السجود ليس عبادة  ولكنه احترام وإكرام. ومهما يكن من أمر فإن مسالة السجود ليوسف إنما تضيف مزيدا من التعقيد إلى المشكلة الأولى عوضا عن حلها. ويمكنك الاطلاع على بحث مفصل لقصة يوسف وصلتها بمسألتي السجود والعبادة الوارد في this article.

هل الإكرام هو المقصود من السجود؟ يربط بعضهم سؤال الشيطان الساخر الذي وجهه إلى لله بقوله: "قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا." (17: 62 ) وبين سؤال الله له، "قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ." (38: 75) ويخلصون من ذلك الربط إلى القول إن الله أمر الملائكة بالسجود لآدم تكريما له.

إن مسألة إكرام آدم تطرح سؤالا: لما كان خلق آدم عملا قام به الله، فأي فضل لآدم في ذلك؟ وهل المنطق السليم يقضي بإعطاء الفضل للمخلوق أم للخالق الذي أبدعه؟ مهما يكن من أمر فإن تفسير العلماء المسلمين لهذا الأمر يبدو غير مقنع.

وماذا بشأن حواء؟ هناك سؤال هام آخر: هل كان آدم المخلوق الوحيد الذي خلقه الله بيديه؟ وهل خلقت حواء بكلمة الله كباقي الخلائق، من حيوانات ونباتات؟ وما الذي يقوله القرآن عن خلق حواء؟

من الغرابة بمكان أن  القرآن لا يخبر كيف خلقت حواء ولا يذكر حتى اسمها، لكنه يذكر فقط ان الله خلقها:

 "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (7: 189)

"وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ." (16: 72)

"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ." (30: 21)

"خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا." (39: 6)

"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا." (4: 1)

يذكر الطبري في تفسيره لقوله تعالى: "وخلق منها زوجها" 4: 1، يَعْنِي أن حَوَّاء خُلِقَتْ مِنْ آدَم , مِنْ ضِلْع مِنْ أَضْلَاعه . 6703 -  حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ, قَالَ: أُسْكِنَ آدَم الْجَنَّة, فَكَانَ يَمْشِي فِيهَا وَحِشًا لَيْسَ لَهُ زَوْج يَسْكُن إِلَيْهَا; فَنَامَ نَوْمَة, فَاسْتَيْقَظَ فَإِذَا عِنْد رَأْسه اِمْرَأَة قَاعِدَة خَلَقَهَا اللَّه مِنْ ضِلْعه, فَسَأَلَهَا مَا أَنْتِ ؟ قَالَتْ اِمْرَأَة, قَالَ: وَلِمَ خُلِقْت ؟ قَالَتْ: لِتَسْكُن إِلَيّ‘.َ

ثمة شبه بين سبب خلق حواء، كما يدل جوابها لآدم وهو (لتسكن إلي) وبين ما نقرأه في التوراة : "وَقَالَ الرَّبُّ الإِلَهُ:’لَيْسَ جَيِّداً أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِيناً نَظِيرَهُ‘." (تكوين 2: 18) 

. -  6704 حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد, قَالَ: ثنا سَلَمَة, عَنْ اِبْن إِسْحَاق, قَالَ: أُلْقِيَ عَلَى آدَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّنَة فِيمَا بَلَغَنَا عَنْ أَهْل الْكِتَاب مِنْ أَهْل التَّوْرَاة وَغَيْرهمْ مِنْ أَهْل الْعِلْم, عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْعَبَّاس وَغَيْره, ثُمَّ أَخَذَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعه مِنْ شِقّه الْأَيْسَر, وَلَأَمَ مَكَانه, وَآدَم نَائِم لَمْ يَهُبّ مِنْ نَوْمَته. حَتَّى خَلَقَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ ضِلْعه تِلْكَ زَوْجَته حَوَّاء, فَسَوَّاهَا اِمْرَأَة لِيَسْكُن إِلَيْهَا, فَلَمَّا كُشِفَتْ عَنْهُ السِّنَة وَهَبَّ مِنْ نَوْمَته رَآهَا إِلَى جَنْبه, فَقَالَ فِيمَا يَزْعُمُونَ وَاَللَّه أَعْلَم: لَحْمِي وَدَمِي وَزَوْجَتِي! فَسَكَنَ إِلَيْهَا.

التفسير الأخير يكاد يكون اقتباسا عن قصة خلق حواء كما وردت في التوراة:

" فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلَهُ سُبَاتاً عَلَى آدَمَ فَنَامَ فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلَأَ مَكَانَهَا لَحْماً. وَبَنَى الرَّبُّ الإِلَهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ. فَقَالَ آدَمُ: "هَذِهِ الْآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هَذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ." (تكوين 2: 21-23)  

يتضح إذا من التوراة ومن تفسير الطبري أن حواء خلقت بيدي الله كما خلق آدم. ونظرًا إلى أن الملائكة قد أُمِرتْ بالسجود لآدم لأن الله خلقه بكلتا يديه، فلماذا لم تؤمر الملائكة بالسجود لحواء أيضا؟

وماذا بخصوص المسيح؟ لقد ملك المسيح صفات تجعله يتبوأ مكانة أسمى بكثير من مكانة آدم: "الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ..." (4: 171)

وذكر جبريل في بشارته لمريم العذراء أنه سيكون لابنها مقام فريد: "إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ." (3:  45) ويفسر البيضاوي الوجاهة في الدنيا بأنها تعني النبوة، أما الوجاهة في الآخرة فتعني         الشفاعة.

كما أن المسيح لم يخلق من تراب كآدم، بل كان من روح الله. وكذلك أعطاه الله وأمه مكانة فريدة، "وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ." (21: 91) وقد كان المسيح حقا آية للعالمين: في ولادته وحياته الخالية من الخطيئة وتعاليمه ومعجزاته، وفي الكيفية التي غادر بها هذا العالم وعاد إلى السماء حيث كان قبل تجسده ـ وهذه موضوعات سوف نتناولها بالتفصيل فيما بعد. فكل من يتأمل في هذه الحقائق يرى أن يسوع المسيح أجدر من آدم بالتكريم، فلماذا لم يذكر القرآن أن الله أمر الملائكة بالسجود له؟

وخلاصة القول أننا لا نجد في القرآن ولا في كتابات المفسرين المسلمين تفسيرا مقنعا لسجود الملائكة لآدم. لذلك يلزمنا أن نطلع على ما قاله الكتاب المقدس عن آدم الترابي وعن آدم السماوي.

 

آدم الأول وآدم الأخير

لقد كتب بولس الرسول رسالته الأولى إلى كنيسة كورنثوس عام 55 للميلاد. ودافع فيها عن  

قيامة المسيح من الأموات. ولكي يدعم رأيه تحدث عن آدم الآول وعن آدم الأخير:

 

صَارَ آدَمُ الإِنْسَانُ الأَوَّلُ نَفْساً حَيَّةً وَآدَمُ الأَخِيرُ رُوحاً مُحْيِياً.
 لَكِنْ لَيْسَ الرُّوحَانِيُّ أَوَّلاً بَلِ الْحَيَوَانِيُّ وَبَعْدَ ذَلِكَ الرُّوحَانِيُّ.

الإِنْسَانُ الأَوَّلُ مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ. الإِنْسَانُ الثَّانِي الرَّبُّ مِنَ السَّمَاءِ.

" (1 كورنثوس 15: 45-47)

 

إذا بحسب الكتاب المقدس ليس هناك آدم واحد بل اثنان: وهما يختلفان حسب ما يعلمنا الكتاب المقدس، من حيث الأصل والسيرة والمقام.

 

آدم الأول

يقول بولس الرسول عن آدم الأول أنه " مِنَ الأَرْضِ تُرَابِيٌّ" (1 كو 15: 47). وبذلك يرجع بالقراء  إلى البداية، " فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. وَقَالَ اللهُ: "لِيَكُنْ... . وَكَانَ كَذَلِكَ" (تكوين 1: 6-7). فكل الأشياء أوجدها الله بكلمته (مزامير 33: 6، 9؛ 145: 5؛ عبرانيين 11: 3). ولكن الكتاب يقول شيئا مختلفا عن آدم. لقد خلق الله آدم بكيفية مختلفة: "وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ تُرَاباً مِنَ الأَرْضِ وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْساً حَيَّةً. " (تكوين 2: 7). كان ذلك فضلا من الله أسبغه على آدم، ولم يسبغه على باقي المخلوقات. فآدم لم يأت إلى الوجود بأمر من الله، بل جاء بالأحرى بنفخة من الله، وهبته الحياة.
كذلك منحه الله ميزة عظيمة أخرى، " فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ." (تكوين 1: 27). وتتضمن "الصورة" صفات كالبر والقداسة (أفسس 4: 24) والمعرفة (كولوسي 1: 10). ثم "َأَخَذَ الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا." (تكوين 2: 15). أي أن الله عيّن آدم وكيلا عنه. وأوصاه بأن يأكل من كل شجر الجنة عدا شجرة واحدة:

 

وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ قَائِلاً: ’مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً
وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ.

(تكوين 2: 16-17)

 

كان على آدم أن يطيع أمر الله. أما إذا خالف أمره، فسيكون عقابه الموت، أي أنه سوف يحرم من علاقته الروحية مع الله التي هي مصدر الحياة الحقيقية. فيموت روحيا، ومن ثم يموت جسديا. وهكذا يعود إلى الأرض التي أخذ منها، كما قال له الله فيما بعد، "لأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ" (تكوين 3: 19).

واقتربت الحية (التي هي إبليس والشيطان، راجع رؤيا 20: 2) من حواء محاولة تضليلها، وزعمت لها، بصورة غير مباشرة، أن الحقيقة هي بخلاف ما قاله الله لهما: " لَنْ تَمُوتَا!
بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّر." (تكوين 3: 4- 5). وكم كانت الحقيقة بعيدة عما ادعاه الشيطان من أنهما سوف يصيران كالله! لقد خُدِعت حواء بادعاء إبليس وصدقت كذبه. فنظرت إلى الشجرة ثم اشتهت ثمرها، "فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضاً مَعَهَا فَأَكَلَ." (تكوين 3: 6). وانفتحت أعينهما، كما قال إبليس، ليس إلا لكي يبصرا حقيقة ما صارا إليه.

 

"فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ." (تكوين 3: 7).

 

لقد كانا من قبل يعيشان في الجنة سعيدين بوجودهما في حضرة الله غير خائفين، لا يعرفان أن يميزا بين الخير والشر؛ وإنما كانا في حالة من البراءة حتى أنهما "َكَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ." (تكوين 2: 25). أما بعد أن عصيا أمر الله فقد خافا من مواجهة الله. لذلك عندما "سَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلَهِ مَاشِياً فِي الْجَنَّةِ"  هربا من وجهه،"فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلَهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ." (تكوين 3: 8).

ولكن الله، الذي لا يخفى عليه شيء، رأى ما فعلا وعلم أنهما مختبآن، "فَنَادَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ: ’أَيْنَ أَنْتَ؟‘  فَقَالَ: ’سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ.‘"(تكوين 3: 9، 10). وعندما سأله الله عما إذا كان قد أكل من الشجرة، تهرب آدم من مسؤوليته. وبدلا من الإقرار بذنبه ألقى باللوم على حواء (3: 12). وبذلك عكر سلام العلاقة الزوجية بينه وبين امرأته. وحذت حواء حذو آدم، وبدلا من الإقرار بذنبها ألقت باللوم على الحية.

وعاقب الله الحية (أي إبليس)، كما عاقب كلا من آدم وحواء (تكوين 3: 14- 19). ثم طردهما من جنة عدن، "فَأَخْرَجَهُ الرَّبُّ الإِلَهُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ." (تكوين 3: 23).

 

إن أي محاولة للتقليل من شأن مخالفة آدم وحواء لأمر الله بأكلهما من ثمر شجرة معرفة الخير والشر، إنما هي إغفال لدلالة تلك المخالفة. فلم يكن تصرف آدم مجرد سهو أو نسيان لوصية الله؛ إذ أنه من غير المحتمل أن ينسى آدم الوصية الوحيدة التي أوصاه الله بها وبيّن له نتيجة مخالفتها. وبالإضافة إلى ذلك، لو نظر الله إلى عملهما هذه النظرة لما طردهما من الجنة.

 

ولكن آدم خالف أمر الله عامدا متعمدا وانقاد لرغبة امرأته حواء التي انقادت من قبله لخداع إبليس. لقد اقتنعت حواء بمزاعم إبليس وطمحت إلى أن تكون كالله، وأن تملك معرفة مماثلة لمعرفته.

 

ومع أن آدم جارى حواء في أكلها من الثمرة، فإنه أيضًا عبر عن رغبة شريرة في أعماق نفسه. أراد آدم، أن يتجاوز مدى الحرية التي منحها الله له؛ وأراد أن تكون له حرية مطلقة. كان تصرف آدم عصيانا لأمر الله, وتمردا على سلطته. فلذلك سأله الله : "هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟ " (تكوين 3: 11). من الواضح إذًا أن آدم رفضَ أن يبقى في حالة البراءة، ورفض أن يسير في طريق الله. وسار بدلا من ذلك في طريق الشر.

لكن عصيان آدم بدأ في الواقع، في اللحظة التي أصغت فيها حواء لإبليس (وجاراها آدم في ذلك)، فشككت في صدق كلام الله وصدقت كلام الكذب. لقد فضلت اتباع نصيحة الشيطان على اتباع أمرالله، وهكذا سارت حواء و سار آدم معها في طريق الشيطان، طريق العصيان والتمرد وما ترتب على ذلك من نتائج.

لم تقتصر نتيجة عصيان آدم عليه وحده. فقد جرّ اللعنة على الأرض التي سيعمل بها ويتعب فيها كل أيام حياته، حسبما قال الله له: "مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكاً وَحَسَكاً تُنْبِتُ لَكَ." (تكوين 3: 17- 18). كما أن روح العصيان انتقلت إلى ذريته. يتضح ذلك من حسد قايين لأخيه هابيل وغيرته منه، لأن الله قَبِل تقدمة أخيه هابيل دون تقدمته هو، مما جعل قلبه يمتلئ بالغيظ من جراء ذلك. ومع أن الله حذر قايين من الخطية التي كانت بانتظاره، لكنه أقدم على قتل أخيه (تكوين 4: 3- 10).

"مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الْخَطِيَّةُ إِلَى الْعَالَمِ وَبِالْخَطِيَّةِ الْمَوْتُ وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ." (رومية 5: 12)

والخلاصة إن آدم الأول كان في علاقة طيبة مع الله؛ لكنه بسبب عصيانه خسر تلك العلاقة.

أما آدم الأخير، أي يسوع المسيح، فقد أرسله الله من السماء. وأطاع الله تماما خلال حياته، ولذلك استطاع أن يعيد الانسان إلى علاقة طيبة مع الله.

 

آدم الأخير

جاء يسوع من السماء. كتب يوحنا أحد تلاميذ المسيح عنه: "اَلَّذِي يَأْتِي مِنْ فَوْقُ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ، وَالَّذِي مِنَ الأَرْضِ هُوَ أَرْضِيٌّ، وَمِنَ الأَرْضِ يَتَكَلَّمُ. اَلَّذِي يَأْتِي مِنَ السَّمَاءِ هُوَ فَوْقَ الْجَمِيعِ." (يوحنا 3: 31). كذلك قال يسوع لليهود: "لأَنِّي قَدْ نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ، لَيْسَ لأَعْمَلَ مَشِيئَتِي، بَلْ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي. وَهَذِهِ مَشِيئَةُ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَانِي لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئاً، بَلْ أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ." ( يوحنا 6: 38-39؛ راجع أيضا 6: 41، 50، 51؛ ويوحنا 3: 13)    

لذلك  كان يسوع فريدًا في كل شيء، منذ بداية حياته على الأرض، حتى عودته إلى الآب في السماء، حيث كان قبل تجسده.

 

كان فريدا في وجوده السابق لولادته. ففي مجادلته مع اليهود، أشار يسوع إلى وجوده الأزلي: "الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ " (يوحنا 8: 58). وكتب يوحنا عنه، " فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ. هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ." (يوحنا 1: 1-3). وفي صلاته لأجل تلاميذه، أشار يسوع إلى علاقته الخاصة بالله: "أَنَا مَجَّدْتُكَ عَلَى الأَرْضِ. الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ. وَالآنَ مَجِّدْنِي أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ عِنْدَ ذَاتِكَ بِالْمَجْدِ الَّذِي كَانَ لِي عِنْدَكَ قَبْلَ كَوْنِ الْعَالَمِ." (يوحنا 17: 4-5)

كان فريدًًا في ولادته. لقد ولد يسوع من عذراء دون أن تعرف رجلا. إذ جاء الملاك جبرائيل إلى مريم العذراء، وبشرها بأنها ستحبل وتلد ابنا وتسميه يسوع وسيكون عظيما (لوقا 1: 26، 31-32 ). وعندما استفسرت مندهشة عن كيفية حدوث ذلك أجابها الملاك: "اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ ،وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ ، فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ. " (لوقا 1: 35).

كان فريدًا في حياته. لقد وُلِدَ كباقي البشر، ولكن بلا خطيئة، ونما وكبر فصار صبيا ثم فتى ثم رجلا؛ وعمل في مهنة النجارة وعاش كباقي الناس، فأكل وشرب، وأحس بالجوع والتعب؛ وحزن وبكى؛ لكنه مع ذلك اختلف عن باقي الناس على نحو فريد .

كان يسوع فريدا في كلامه. فلم يذهب إلى مدرسة دينية كباقي معلمي الشريعة ولكن معرفته كانت أفضل من معرفتهم. وكان بوسعه أن يجادلهم في مسائل الشريعة، "فَتَعَجَّبَ الْيَهُودُ قَائِلِينَ: ’كَيْفَ هَذَا يَعْرِفُ الْكُتُبَ، وَهُوَ لَمْ يَتَعَلَّمْ؟‘ أَجَابَهُمْ يَسُوعُ وَقَالَ:’تَعْلِيمِي لَيْسَ لِي بَلْ لِلَّذِي أَرْسَلَنِي.‘" (يو 7: 15-16). وعنما أرسل رؤساء الكهنة خدامهم ليقبضوا على يسوع، لم ينفذ الخدام أمر رؤساء الكهنة، بل عادوا دون أن يقبضوا عليه، وقالوا لرؤساء الكهنة: "لَمْ يَتَكَلَّم ْ قَطُّ إِنْسَانٌ هَكَذَا مِثْلَ هَذَا الإِنْسَانِ !" (يوحنا 7: 46).

وبينما كانت عادة معلمي الشريعة الرجوع والإسناد إلى من سبقهم من علماء الشريعة، كان يسوع يتكلم بسلطانه هو دون حاجة إلى دعم من أحد. فعندما دخل المجمع في كفر ناحوم وصار يعلم، "َبُهِتُوا مِنْ تَعْلِيمِهِ لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ ك&#